عبد القادر الجيلاني
54
فتوح الغيب
--> - الشرعي أو خفي الأمر الشرعي لا يكون الامتثال والرضا والمحبّة ، كما يكون في الأمر الشرعي ، وإن كان ذلك مقدورا . وهذا موضع يغلط [ في نسخة : غلط ] فيه كثير من خاصّة السّالكين وشيوخهم ، فضلا عن عامّتهم ويتفاوتون في ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعيّ وطاعتهم له . فمنهم من هو أعرف من غيره بالأمر الشرعي وأطوع له ، فهذا تكون [ في نسخة : يكون ] حاله أحسن ممّن يقصر [ في نسخة : نقص ] عنه في المعرفة بالأمر الشرعي والطاعة له . ومنهم من يبعد عن الأمر الشرعي ، ويسترسل حتّى ينسلخ من الإسلام بالكليّة ، ويبقى واقفا مع هواه والقدر . ومن هؤلاء من يموت كافرا ، ومنهم من يتوب اللّه عليه ، ومنهم من يموت فاسقا ، ومنهم من يتوب اللّه عليه . وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر الشرعي ، ولا بدّ مع ذلك من اتّباع أمر ونهيّ غير الأمر الشرعي ، إمّا من أنفسهم ، وإمّا من غير اللّه ورسوله ، إذ الاسترسال مع القدر مطلقا ممتنع لذاته ، لمّا تقدّم من أن العبد مفطور على محبة أشياء وبغض أشياء . وقول من قال [ هو الإمام الغزالي ، وأيضا قول الشيخ عبد القادر كما في هذا الكتاب ] : « إن العبد يكون مع اللّه كالميت مع الغاسل » لا يصحّ ولا يسوّغ على الإطلاق عند [ في نسخة : عن ] أحد من المسلمين ، وإنما يقال ذلك في بعض المواضع ، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر اللّه عليه ، وإلا فإذا علم ما أمر اللّه به وأحبه ، فلا بد أن يحبّ ما أحبه اللّه ، ويبغض ما أبغضه اللّه . فصل : وكما أن الطريقة العلمية بصحّة النظر في [ في نسخة : من ] الأدلة والأسباب هي الموجبة للعلم : كتدبّر القرآن والحديث . فالطريقة العملية بصحّة الإرادة والأسباب هي الموجبة للعمل ، ( كعمارة الباطن بالمراقبة ، والخوف من اللّه على كلّ حال ) . ولهذا يسمّون السالك في ذلك : المريد . كما يسميه أولئك : الطالب . والنظر جنس تحته حقّ وباطل ، ومحمود ومذموم ، وكذلك الإرادة . فكما أن طريق العلم لا بدّ فيه من العلم النبوي الشرعي ، بحيث يكون معلومك المعلومات الدينية النبوية ، ويكون علمك بها مطابقا لما أخبرت به الرسل ، وإلا فلا ينفعك أي معلوم علمته ، ولا أيّ شيء اعتقدته فيما أخبرت به الرّسل ، بل لا بدّ من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فكذلك الإرادة لا بدّ فيها من تعيين المراد : وهو اللّه . والطريق إليه : وهو ما أمرت به الرّسل . فلا بدّ أن تعبد اللّه وتكون عبادتك إيّاه بما شرع على ألسنة رسله ، إذ لا بدّ من تصديق الرسول فيما أخبر علما ، ولا بدّ من طاعته فيما أمر عملا . ولهذا كان الإيمان قولا وعملا مع موافقة السنة ، فالعلم [ في نسخة : فعلم ] الحق ما وافق علم اللّه ، والإرادة الصالحة ما وافقت محبة اللّه ورضاه ، وهو حكمه الشرعي ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * ( 26 ) [ النساء : 26 ] . فالأمور الخبرية لا بدّ أن تطابق علم اللّه وخبره ، والأمور العملية لا بدّ أن تطابق حبّ اللّه وأمره . فهذا حكمه ، وذاك علمه . وأما من جعل حكمه مجرّد القدر ، كما فعل صاحب منازل السائرين ، وجعل مشاهدة العارف الحكم يمنعه أن يستحسن حسنة أو يستقبح سيئة . فهذا فيه من الغلط العظيم ما قد نبّهنا عليه في غير هذا الموضع . فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد أيّ معبود كان ، ولا أن يعبد اللّه -